جدل في طرطوس حول جدوى إنشاء السدود المائية!
عانت سورية في العقدين الأخيرين من القرن الماضي من
حالة جفاف مائي ترافقت مع ظهور مخاطر حقيقية على
الواقع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، وكانت ردة
الفعل الرسمية في حينه سريعة جداً حيث تم التوجيه
بضرورة الاستفادة من كل قطرة ماء في الوطن، وكان قرار
العمل الفوري على إيجاد حلول لهذه القضية فوراً، منها
ما هو إسعافي من خلال استخدام المياه الجوفية وحفر
الآبار اللازمة لذلك، ومنها ما هو استراتيجي يتعلق
بإنشاء السدود الصغيرة والمتوسطة في مجاري الأنهار
والوديان من أجل الاستفادة من مياه الشتاء التي تكون
غزارتها اقتصادية خاصة في المناطق الساحلية والجنوبية،
وقد شهدت سورية في تلك المرحلة حركة واسعة في إعداد
الدراسات وبناء السدود، حيث لوحظ بأن فوائدها كانت
مباشرة ومتعددة الجوانب، أهمها تأمين المياه للري
وتحسين مستوى الإنتاج الزراعي، بينما لحظت الدراسات
العديد من المواقع المناسبة لإقامة سدود أخرى يُمكن
استخدامها في مياه الشرب نظراً لأن مصادر المياه
الواردة إليها من ينابيع عذبة وقابلة للشرب، بل أكثر
من ذلك بعضها مياهه معدنية ويُمكن الاستفادة منه في
المناطق التي تُعاني من الندرة في المخزون المائي،
كالمناطق الوسطى والداخلية.
نقمة بدل النعمة
في حين أن السدود التي بنيت ووضعت بالاستثمار واجه
استثمارها العديد من المشاكل كان أهمها وأكثرها خطورة
يتمثل بمصبات الصرف الصحي التي تصب في هذه السدود
مباشرة وتحولها من نعمة إلى نقمة، وهنا إشارات استفهام
كثيرة على الدراسات لدينا كما تقول (عجوز ضيعتنا) تأتي
هذه الدراسات دائماً على شكل (سليقا) في إشارة على أن
الأمور المتعلقة بالدراسات تكون من الفوضى بما يجعلها
داخلة ببعضها بحيث (تضع الطاسة ويدخل الحابل بالنابل)،
وتفتقد الأمور إلى العلمية والدقة ومن ثم تبتعد عن
الهدف الأساسي.
مسؤولية
السؤال الذي يتبادر إلى ذهن أي شخص يزور هذه المواقع
هو: من هي الجهات التي قامت بالدراسات الأولية وأعطت
المباشرة بتنفيذ السد؟، وهل قامت بمتابعة وتحديد مجاري
الأنهار والمسارات التي تصل إلى موقع السد؟، ولماذا لم
تضع الحل المناسب لقضية الصرف الصحي قبل المباشرة
بإشادة السد؟... أسئلة كثيرة تفرض ذاتها جراء الضعف
الذي نراه في الدراسات، وينعكس سلباً على النتيجة
ويُطيل الطريق إلى الهدف، في الوقت الذي نجد فيه أن
هذه الدراسات تأخذ الكثير من الجهد والوقت والتكلفة
التي تصل أحياناً إلى نصف المبلغ الذي يُخصص لإقامة
السد أو غيره من المنشآت الأخرى، والسؤال الأهم هنا:
أين هي الدراسات الاقتصادية التي تحدد الجدوى
الاقتصادية من إقامة السد التي تضع كل متطلبات الأمان
في سلة التكلفة، وهل هناك التزام فعلي من الجهات
المعنية بالتنفيذ بالتقيد بالتوصيات التي تأتي ضمن
الدراسات إذا ما افترضنا أنها تلحظ هذه الجوانب؟، وهل
هناك التزام بعنصر الزمن واستثمار الوقت المحدد في
العقود بدقة وإلا لا يتم التأخير كثيراً في التنفيذ
ووضع السد في الخدمة؟، وأين هي الدراسات الاجتماعية
التي تحدد دور مثل هذه المشاريع في رفع مستوى التنمية
وتحسين الواقع الاجتماعي للمجتمع القريب أو البعيد من
المشروع؟.
وما هو سبب حصول خلافات فنية بعد إبرام العقود على
كيفية التنفيذ كما حصل في مشروع سد الدريكيش في محافظة
طرطوس، الذي سنفرد له تحقيقاً خاصاً ونضع القارئ
الكريم بملابساته وسبب التأخير في إنجازه؟.
موقف وتبرير
وقد علمت (القنديل) من مصادر مقربة من مديرية الموارد
المائية في محافظة طرطوس بأن مدير عام مؤسسة المياه في
المحافظة يعارض تنفيذ المشاريع الجديدة للسدود المراد
استثمارها كمياه للشرب، وقد برر السيد مدير عام المياه
ذلك بموجب رد رسمي حدد فيه عدم وجود جدوى اقتصادية من
تنفيذ السدود لاستثمارها في مياه الشرب لعدة أسباب
أهمها وجود مصبات الصرف الصحي في مجاري الأنهار التي
تصل إلى المواقع المدروسة، إضافة إلى ارتفاع كلفة
السدود بالمقارنة مع كلفة حفر الآبار وسهولة الحصول
على المياه من الأحواض الجوفية في محافظة طرطوس لقربها
من سطح الأرض.
أهداف بعيدة
هنا لا بد لنا من الإشارة إلى ضخامة حجم المياه العذبة
التي تهدر سنوياً وتذهب إلى البحر والتي تقدر بآلاف
الملايين من الأمتار المكعبة، كما أن فوائد السدود لا
تنحصر بالحصول على المياه واستثمارها سواء في الري أو
كمياه للشرب، هنا جوانب عديدة وفوائد كثيرة لا تُعد
ولا تُحصى من إقامة السدود من أهمها الجانب البيئي
وتحسين مستوى البيئة في المناطق التي تقام فيها، على
سبيل المثال في الدول الغربية يقومون بإنشاء بحيرات
اصطناعية تكلفهم مبالغ ضخمة جداً من أجل تغيير الواقع
البيئي وتحسينه في منطقة ما، إضافة إلى الأهمية
السياحية للمسطحات المائية وما يرافق ذلك من استثمارات
سياحية تنعكس بشكل إيجابي على الواقع المعيشي لسكان
المنطقة التي يُقام بها سد.
مفيدة... بشروط؟!
والأمر الأهم في علم المياه تُعتبر السدود منشآت
استراتيجية هامة لتغذية المياه الجوفية ودعم المخزون
الجوفي من المياه، وبذلك نرى أن عدم إقامة السدود
الصغيرة والمتوسطة في المناطق الساحلية هو خسارة
اقتصادية وبيئية للوطن برمته سيما وأن مواقع كثيرة من
الحوض الساحلي تمت دراستها وتبين أنها مناسبة لإقامة
السدود عليها، لكن بشرط أن تقوم الجهات المعنية بتسريع
إقامة خط حماية متكامل لهذه المواقع سواء من الصرف
الصحي وما يحمله من مخاطر على البيئة والصحة بشكل عام،
أو من الصناعات المتنوعة والمنشآت الخاصة بتربية
الدواجن والحيوانات التي بدأت تنتشر في الكثير من
المناطق المؤدية في النهاية إلى مواقع السدود
المدروسة.
شام لايف