المدافن الأثرية في طرطوس.. توابيت يضيق بها
المتحف!
يعتبر الآثاريون أن اكتشاف
التوابيت الحجرية في محافظة طرطوس خلال السنوات
الماضية من أهم الاكتشافات الأثرية
حيث إن تلك التوابيت تقدم صفحة ناصعة من تاريخنا فهي
تدل على التقدم والتطور
الحضاري والصلة الوثيقة التي كانت قائمة بين الساحل
السوري وحوض البحر الأبيض
المتوسط.
توابيت مدهشة..
ولكن !
لقد قدمت مقابر
محافظة طرطوس الأثرية (منطقة عمريت-حي الحمرات-الكيسونة)
مجموعة من التوابيت
الإنسانية الشكل من مواد متنوعة فخارية وحجرية
(بازلتية-رخامية) بأشكال متعددة وطرق
دفن مختلفة, كما استخدمت أيضاً فيها توابيت خشبية إلا
أن مادة الخشب قد تلفت بفعل
الرطوبة وتشبه هذه المجموعة توابيت صيدا, وقد تأثرت
بالفن المصري واليوناني وهذا
يدل على السوية الحضارية التي كانت تتميز بها المنطقة
وصلتها مع (تل سوكاس) وقبرص
وصيدا ومصر, وبالأحرى مع العالم.
وقد تبين من
الدراسة الأولية-بحسب الآثاريين-لمجمل التوابيت
المكتشفة أنها خالية من
الكتابات,لذلك فإن أسماء أصحابها ظلت مجهولة حتى
الآن.
أما صناعة تلك
التوابيت فهي من الرخام الأبيض ذي الحبيبات البلورية
الكبيرة تتخللها عروق رمادية
أفقية هي من صفات الرخام الموجود في مقالع بروكينز
وباروس الذي نرى كثيراً من أوابد
آسيا الصغرى مصنوعة منه.
الشكل يبدو
جليّاً واضحاً في مظهره ويتركز بصفة خاصة في الغطاء
المحدب سطحه, والجهة المحدبة
وفقدان النقوش والأفاريز المترفة والمواضيع
الميثولوجية النافرة, التي تترجم
عقيدتهم في مواضيع الحياة والموت والزخارف الغنية ذات
الأكاليل, إلا أن الفنان الذي
قام بصنع هذه التوابيت قد صب اهتمامه بالدرجة الأولى
على إبراز الوجه من جهة الرأس
وتلاحم الغطاء مع الصندوق ما أفقده التركيز على الدقة
في النحت الجمالي للوجه
والمواضيع والشخصيات.
مدفن بانو..ورام
الذهب
أما في مدفن
بانو في منطقة عمريت فقد تم العثور على تابوت رخامي
يعود إلى القرن الرابع قبل
الميلاد وهذا التابوت أبيض ذو حبيبات بلورية يتألف من
الغطاء والصندوق ويحمل وجه
هيرا, وقد خط فرق تسريحة الشعر في الوسط والشعر متموج
أما الأعين فلوزية والأنف
مستقيم-والشفاه رقيقة أثرت عليه المياه المتسربة من
معاصر الزيتون في تلك المنطقة.
أما بالنسبة
لمدفن رام الذهب الواقع إلى الشرق من عمريت بنحو
(1000) م (قرب قرية العنابية) فقد
تم اكتشافه في العام 1989م عندما كانت مؤسسة الاسكان
العسكرية تقوم بترحيل الأتربة
من أحد المواقع التي تعمل فيها.
وقد تبين بعد
التنقيب وجود مدفن على قدر كبير من الأهمية يسمى
(المقبرة الملكية) وفيها نماذج
مختلفة من التوابيت, تم نقلها إلى متحف طرطوس الوطني.
ولا يزال اكتشاف
المدافن الأثرية والتوابيت في محافظة طرطوس يتوالى لكن
معظم تلك التوابيت من دون
كتابات تفصح عن ماضٍ تليد مرت به تلك المنطقة وبقي
معظمه مجهولاً.
توابيت هنا
وهناك
في زياراتنا
الأخيرة لمتحف طرطوس الوطني الذي تم تأسيسه عام 1956م
رأينا هذه التوابيت الجميلة
والهامة مرمية هنا وهناك في زوايا المتحف وساحته
الخارجية دون أي تنسيق أو اهتمام
ولعل السبب هو ضيق المتحف المتخم بالقطع الأثرية التي
لم يعرض منها إلا القليل
بينما بقيت آثار جميلة تقبع حتى الآن في غرف مغلقة
ومظلمة لا يسمح بالدخول إليها
ولا لعدسة مصور صحفي من التقاط بعض الصور لها ليبقى
متحف طرطوس مجرد معرض صغير لبعض
القطع الأثرية ومستودعاً مظلماً مليئاً بالقطع الأثرية
المكدسة فوق بعضها بعضاً
تنتظر من ينفض عنها غبار الإهمال وتعرض في متحف كبير
واسع ما زالت محافظة طرطوس
تنتظر بناءه بفارغ الصبر.