رؤوس كالفؤوس..!
من الأسرار المعروفة أن قمحنا السوري وزراعتنا بشكل
عام كانت ولا تزال في طليعة الأسباب التي عززت صمود
بلدنا في وجه الضغوطات والضاغطين، خلال السنوات
الماضية التي كانت محفوفة بالمخاطر الجسيمة. فزراعتنا
تسهم بأكثر من ربع الناتج الإجمالي لبلدنا وتستوعب 26%
من قوة العمل لدينا.
وقد تلقيت، منذ رفع سعر المازوت، إشارات عديدة من
عشرات المواطنين الغيورين على بلدهم ومصلحة شعبهم
تنذرنا بسنوات عجاف، إن نحن لم نستبق الخطر ونمنع ذوي
الرؤوس التي تشبه الفؤوس من إلحاق ضربة قاصمة
باقتصادنا وبأمن رغيف شعبنا.
ففي الوقت الذي تضخ فيه دول العالم «المليارات لمنع
افلاس مواطنيها في هذه الأزمة التي ستؤثر حتماً على
الفلاحين الشريحة الأضعف في الوطن»، على حد الدكتور
وهيب، نرى أن بعض أصحاب القرار عندنا يفكرون باتخاذ
إجراءات معاكسة تضيف المزيد من الأعباء على الفلاحين،
فقد سرت إشاعات مرعبة مفادها أن الجهات المعنية تفكر
بـ «تحرير أسعار الأسمدة » مما جعل المكتب التنفيذي
لاتحاد الفلاحين يرفع «مذكرة إستباقية لتبيان الآثار
السلبية على الفلاحين والمستهلكين» في حال تم ذلك.
وقد تلقيت قبل أيام رسالة من الصديق إبراهيم السمير
الطالب الجامعي الذي يعمل في الفلاحة، مستني عميقاً
لأنها تسقط ضوءاً كاشفاً على معاناة الفلاحين في دير
الزور والرقة والحسكة، يقول الصديق إبراهيم بلهجة
منذرة قاطعة: " اذا لم يحصل أي تعديل سيصيب سورية في
السنة القادمة عجز بالنسبة لمادة القمح. عندما احسب
لأبي خسائرنا اكاد اجن! مثلا اذا كان إنتاج القمح أكثر
من ممتاز ينتج الدونم حوالي أربعة اكياس، يبلغ ثمنها
حوالي خمسة آلالف ليرة. والآن اسمح لي أن أحسب لك
تكاليف الانتاج لتحكم بنفسك : 1000 ليرة سقاية للجمعية
التعاونية ، 1000 ليرة ثمن فلاحة وجرار 1500 ليرة
اسمدة ويا ليتها متوفرة. اضف الى ذلك حوالي 500 ليرة
دواء ضد الجراثيم». وهكذا ينوب صديقنا وأسرته من مردود
الدونم الواحد حوالي ألف ليرة لقاء تعب وشقاء موسم
بكامله!
كذلك يلفت الصديق إبراهيم نظرنا الى خطر جدي هو تبوير
الفلاحين لأرضهم وهجرتهم الى المدن بحثاً عن لقمة
العيش وهجرة بعضهم الى الأقطار المجاورة يقول إبراهيم
: (أغلب اعمامي في لبنان. اتعرف ما يعملون؟ يعملون في
شركة «سو كلين» شركة تنظيفات بيروت. يعني في الزبالة).
يستدرك إبراهيم فيقول إن العمل ليس عيبا ويصارحني أنه
عندما ذهب الى بيروت في الصيف الماضي وجد أن الموجودين
من ابناء أعمامه هناك اضعاف اضعاف الموجودين في سورية
!
بين وقت وآخر يقوم إبراهيم بإجراء حسابات بما تنتجه
الارض وما يصرفونه عليها، ويعرض تلك الحسابات على
والده فيعترف له أنه لايوجد مردود يذكر لكنه لايستطيع
أن يترك الأرض تبور. ثم يخبرني إبراهيم أنه لولا راتب
والده الذي يعمل كمفتش تربوي «لكنا تشرشحنا بالفعل».
بعدها يصرخ إبراهيم :« أنا لا احب الهجرة، احب وطني،
ولا احب الطعن فيه، احب ان اشد ازره ولكن... لسنا
متخاذلين ولكن مردود أرضنا لا يكفي لتأمين نفقات
الدراسة والعيش لستة شباب واربع بنات ! سيدي العزيز
الارض لم تعد تعطينا والفلاح يكاد ينتحر». قد تكون
عبارة الأخ إبراهيم قاسية بعض الشيء لكنها تعبر عن خطر
حقيقي . فإذا لم تتكاتف الدولة وبقية قوى المجتمع مع
الفلاح كي يواصل الإنتاج فقد تأتي لحظة سوداء يجد
الجميع أنفسهم فيها دون معين .
حسن م. يوسف ـ تشرين