شهر العسل الروسي الأمريكي
وصفت الوكالات دعوة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف
الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما لإقامة علاقات
جيدة بينهما على غرار تلك القائمة بين روسيا والصين
بشهر العسل. وهو توصيف مناسب لأنه من جهة يدلل على أنه
لا بد لروسيا من أن تعطي الفرصة لأوباما لكي يكشف عن
أوراقه في ما يتعلق بنوع العلاقة التي يريد إقامتها
معها أو حولها. كما أنه وصف مناسب لأنه يرتاب من أن
تكون العلاقات المستقبلية بين الطرفين كلها ودية.
ولعل دعوة الرئيس الروسي تدخل في باب التمنيات أكثر من
كونها تعبيراً عن الحقائق الصلدة في طبيعة العلاقة
بينهما. فروسيا والصين بلدان يتطلعان إلى أن ينتقل
دورهما إلى مرحلة العالمية بدل الإقليمية، لكن العقبة
الرئيسة التي تعوق ذلك هي محاولة الولايات المتحدة
الانفراد في إدارة العالم ومن ثم تقليص أدوار القوى
الأخرى بل والعمل على محاصرتها. لقد قامت العلاقة
الاستراتيجية الروسية الصينية على أساس خوفهما من
الحصار الأمريكي. فعلى أي أساس ستقوم العلاقة
الاستراتيجية الأمريكية الروسية؟
وستكشف الأيام القادمة أولاً ما إذا كانت الإدارة
الجديدة قد تخلت عن أهداف الإدارة السابقة أم فقط عن
بعض أساليبها الفجة، ومن ذلك ستتبين حدود العلاقات
الدولية الجديدة. ولا يمكن لأحد أن ينفي إمكانية
التغيير في الاستراتيجية الأمريكية وإن كان ذلك صعباً
للغاية. فقد أبانت السنوات الماضية التي عاش العالم
خلالها في ظل سياسة المحافظين الجدد عن مواطن الضعف في
القدرات الأمريكية، ثم جاءت الأزمة المالية لتكشف
أيضاً عن قدرات القوى الأخرى التي قد يكون بإمكانها
اقتصادياً أن تقود العالم سوياً. ففي ظل هذه المعطيات
يمكن أن تنظر الإدارة الأمريكية الجديدة إلى دورها من
خلال منظار الحقائق القائمة، وترى أنها تحتاج إذا ما
أرادت أن تحتفظ بالدور القيادي أن تبني استراتيجية
جديدة تقوم على الشراكة، وعلى حكم القانون.
وهما أمران صعبان ويعتمدان على تبدل جوهري في نظرة
النخبة الأمريكية بمختلف أجنحتها إلى طبيعة قوتها ومن
ثم إلى ما تريد تحقيقه في ظلها. كما أن مفهوم الشراكة
ليس بالضرورة منسجماً وتوأماً لمفهوم القانون.
فالتاريخ السياسي للعالم يخبرنا أن كثيراً من
التحالفات بين الدول قامت من أجل أن ترضخ بقية البلدان
لأحكام مصالحها. كما أن من الصعب تصور أن تكون الشراكة
بين البلدان الكبرى مؤدية بالضرورة إلى تغيير قواعد
النظام الدولي من خلال مشاركة كل بلدان العالم.
فهذا الأمر يحتاج إلى مشاركة فعالة من البلدان
الصغيرة، وهي مشاركة لن تتحقق بشكل فردي ولكن من خلال
قدرة هذه البلدان على التوحد في مجموعة أو في مجموعات
صغيرة حتى يكون لها صوت في أي تغيير قادم.
وهو أمر تتسابق إليه هذه البلدان ما عدا المنطقة
العربية التي تتباعد أقطارها عن بعضها بعضاً حتى ما
عاد لها صوت يسمع.
الخليج