الأزمة المالية تسرع بولادة الشرق الأوسط الجديد !
كيف يمكن أن تنعكس الأزمة المالية العالمية على مستقبل
الصراع فى الشرق الأوسط؟
تلك واحدة من التساؤلات التى تطرحها الأزمة المالية
الراهنة، رغم ندرة من تطرق لذلك الرابط من المراقبين
والخبراء.
وإن كان هناك إجماع على أن الأزمة المالية الراهنة
ستؤثر دون شك على العلاقات بين القوى الكبرى، بغض
النظر عن طبيعة هذا الأثر ومداه، فإن ذلك يعنى أن هذه
الأزمة لا بد أن تؤثر على الصراع فى الشرق الأوسط، بين
دول مناوئة للولايات المتحدة الأمريكية، تربطها علاقات
شبه تحالفية مع روسيا، وبدرجات أقل علنية مع الصين،
ونقصد "سوريا وإيران والقوى السياسية المتحالفة معهما
كحزب الله وحماس وسواهم"، وبين دول تتمتع بعلاقات
تحالفية معلنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ونقصد
دول "الاعتدال العربي" وإسرائيل.
ودعنا بدايةً نوضّح أن أى أثر للأزمة المالية الراهنة
على معادلات الصراع فى الشرق الأوسط سيكون مجرد انعكاس
لتأثير هذه الأزمة على العلاقات بين الدول الكبرى، مما
يجعل السؤال الأساسى لمقالنا هو: كيف ستؤثّر الأزمة
المالية الراهنة على العلاقات بين القوى الدولية
الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى
وروسيا والصين، وكيف سينعكس ذلك على معادلات الصراع فى
الشرق الأوسط؟
الفجوة التكنولوجية وانهيار الاتحاد السوفيتي
يجع علماء إدارة الأزمات والعلاقات السياسية الدولية
أن أحد الأسباب غير المباشرة لانهيار الاتحاد
السوفيتي، وانتقال العالم من مرحلة الحرب الباردة إلى
ما بعدها فى بداية التسعينات من القرن الماضي، كانت
تلك الفجوة التكنولوجية التى نجحت الولايات المتحدة
الأمريكية فى تحقيقها فى ثمانينات القرن الماضى متقدمة
على باقى منافسيها الدوليين وعلى رأسهم الاتحاد
السوفيتي.
وكى نفهم القصة جيداً، علينا أولاً أن نفهم طبيعة
الأطوار التى مرت بها الثورة الصناعية التى شكلت
الحامل الرئيس لنهضة الغرب وتفوقه، وعلى رأسه الولايات
المتحدة الأمريكية، بأنظمته الرأسمالية.
ويشير المختصون إلى أن الثورة الصناعية فى الغرب مرت
فى أربعة أطوار:
الطور الأول بدأ فى القرن التاسع عشر، وكان ركيزته
الرئيسية الفحم والحديد وبخار الماء، واستمر هذا الطور
حتى العام 1920.
الطور الثانى عقب الكساد الكبير عام 1930 فى الولايات
المتحدة الأمريكية وفيه تحولت مختلف الصناعات باتجاه
الاعتماد على النفط كركيزة أساسية مما أسّس لفورة
اقتصادية كبيرة عزّزتها تطورات الحرب العالمية
الثانية، واستمر هذا الطور حتى السبعينات من القرن
الماضي.
الطور الثالث فى سبعينات القرن المنصرم والتى شهدت
الإرهاصات الأولى لثورة الاتصالات والتكنولوجيا والتى
وصلت ذروتها فى ثمانينات القرن الماضي، وكان للولايات
المتحدة الأمريكية السبق الرئيس فيها متقدمة فى ذلك
على مختلف منافسيها الدوليين، وفى مقدمتهم الاتحاد
السوفيتي.
ومع الفورة الاقتصادية، وعوائدها المالية المرتفعة،
التى حظيت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى ثمانينات
القرن الماضي، استطاعت الإدارة الأمريكية فى عهد
رونالد ريغان تعزيز سباق التسلح مع السوفيت عبر ضخ
المزيد من التمويل فى شرايين التصنيع والإنفاق
العسكري، ورغم هذا الضخ المتزايد كانت أمريكا لا تخصّص
للإنفاق العسكرى أكثر من 12-15% من ميزانيتها العامة،
والسبب كما أوضحنا هى العوائد المالية الكبيرة التى
حظيت بها الميزانية الأمريكية كانعكاس لفورة الاقتصاد
الأمريكى فى مجالات الاتصال والتكنولوجيا.
الاتحاد السوفيتى من جانبه كان ما يزال يحيا على أعتاب
الطور الثالث من الثورة الصناعية "طور النفط"، وأصبحت
ميزانيته يومها لا تتعدى ثلث ميزانية الولايات المتحدة
الأمريكية، وكى يتمكن السوفيت من مقارعة الإنفاق
العسكرى الأمريكى المتصاعد والمترافق مع تقدم تكنولوجى
اختص به الأمريكيون، اضطر السوفيت إلى رفع إنفاقهم على
التصنيع العسكرى ليأكل هذا الإنفاق أكثر من نصف
ميزانية الاتحاد السوفيتي، وبأدوات تكنولوجية أقل
تقدماً من نظيراتها الأمريكية، وكانت النتيجة تردى
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى الاتحاد السوفيتي،
مقابل انتعاشها فى الولايات المتحدة الأمريكية، فكان
ذلك واحداً من العوامل التى عجّلت فى انهيار الاتحاد
السوفيتى بعدما انهارت قبله معظم الأنظمة الاشتراكية
المنضوية تحت جناحه.
طور الاستثمار فى العالم النامي
الأمريكيون من جانبهم تفردوا بالعالم فى مطلع
التسعينات، متمتعين بتفوق تكنولوجى واقتصادى وعسكرى لا
يقارع، لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً، فطور ثورة
الاتصالات والتكنولوجيا وصل إلى ذروته، ليدخل العالم
الصناعى فى طور رابع، هو طور الاستثمار فى العالم
النامي، حيث الأيدى العاملة والمواد الأولية الرخيصة
وأسواق الاستهلاك الواسعة.
واستطاعت اليابان أن تتوّج الإرهاصات الأولى لانطلاقة
هذا الطور عبر استثماراتها الهائلة فى دول جنوب شرق
آسيا، وقرّرت الدول الأوروبية الكبرى انتهاج ذات النهج
فانتعش اقتصادها بصورة ملحوظة مع توسّع الاتحاد
الأوروبى باتجاه دول أوروبا الشرقية، ومن ثم إطلاق
مشروع الشراكة الأوروبية – المتوسطية بغية فتح المجال
أمام رأس المال الأوروبى للعمل فى أسواق الشرق الأوسط
وشمال إفريقيا.
الأمريكيون بدورهم أدركوا ما يجرى وساروا على نفس
النهج عبر إطلاق مشروع السوق الشرق أوسطية، والذى كانت
إدارة الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون، تراهن عليه
بشدّة، وكان السلام بين العرب وإسرائيل البوابة
الإلزامية لتحقيق هذا الحلم الأمريكي، والذى كان يعنى
فتح أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمام رأسمال
الأمريكى – الإسرائيلي، بكل ما تحويه هذه الأسواق من
أيدى عاملة ومواد أولية رخيصة، ومعدلات استهلاك
مرتفعة، لكن الحلم الأمريكى انهار مع انهيار عملية
السلام، وفى الوقت الذى حصدت فيه اليابان والاتحاد
الأوروبى ثمار الاستثمار فى جنوب شرق آسيا وأوروبا
الشرقية، بقى الاقتصاد الأمريكى يعانى من الركود ويحيا
على أعتاب ثورة الاتصالات والتكنولوجيا.
تنشيط الاقتصاد عبر الحرب
فى صيف العام 2001 تنبأ خبراء روس وباحثون فى مراكز
دراسات روسية فى وقت مبكر بأحداث 11 أيلول حينما أكد
بعضهم أن الولايات المتحدة باتت فى مأزق مالى واقتصادى
وأنها لا بد أن تفتعل حادثاً كبيراً، بهدف إشعال حروب
كبيرة غير عادية -ارتأى الخبراء الروس اعتبارها حرباً
عالمية- بهدف الخروج من مأزقهم المالى
والاقتصادي....أما ما هى تفاصيل المِأزق المالى
والاقتصادى الذى وقعت به الولايات المتحدة؟، ولماذا لا
يمكن حله إلا عبر حرب كبرى؟، ولماذا فى صيف العام 2001
تحديداً؟
هذا ما أجاب عليه فريق واسع من الخبراء الاقتصاديين
العرب والروس الذين كانوا مقتنعين حينها بهذه النظرية
"نظرية هشاشة الاقتصاد الأمريكي"، فذهب هؤلاء إلى أن
واشنطن بدأت تكتشف أنها انحدرت من المرتبة الأولى فى
العالم اقتصادياً، لتحتل المرتبة الثانية بعد الاتحاد
الأوروبي، وفى مطلع العام 2002 ستنطلق العملة
الأوروبية الموحدة "اليورو"، مما يعنى أن القوة
الاقتصادية الأوروبية ستزداد.
ومما زاد مأزق واشنطن أن انفكاك الدولار عن الذهب فى
سبعينات القرن الماضى وتعاظم دور البورصات المالية فى
تداول العملات والأسهم بصورة منفصلة عن القيم الحقيقية
لما تمثله هذه العملات من بضائع وسلع، وترافق ذلك مع
نمط استهلاكى مرتفع وباذخ للغاية فى الولايات المتحدة،
أدى كل ذلك إلى تضخم الكتلة النقدية المتداولة عالمياً
بالدولار لتفوق بكثير القيم الحقيقة لما تمثله هذه
الكتلة من بضائع وسلع، وقدرت بعض الدراسات أن الكتلة
النقدية المتداولة بالدولار عالمياً حوالى 300 تريليون
"التريليون ألف مليار" وهو رقم هائل جداً مقارنة
بالقيمة الحقيقية للسلع والبضائع التى تقدر بحوالى 30
تريليون، وهذا الفارق المالى الهائل جداً بات مهدداً
بالانكشاف والانهيار بسبب اقتراب موعد نزول اليورو إلى
الأسواق وهو الممثل لأقوى اقتصاد فى العالم "الاقتصاد
الأوروبي"، الأمر الذى جعل خبراء روس يؤكدون أن واشنطن
ستلجأ إلى حلول هوليودية لتجنب المأزق الذى وقعت فيه
والذى قد يودى باقتصادها إلى انهيار لا سابق له، إلى
جانب مخاوفها من تقدم أوروبا لمنافستها على الصعد
السياسية والعسكرية.
وقبيل أشهر قليلة من أحداث 11 أيلول تنبأ هؤلاء
الخبراء الروس بأن واشنطن بصدد التحضير لحدث يهز
العالم ويخلق لها ذرائع لشن حروب متتالية، لأن واشنطن
باتت محكومة بالحرب, فمأزقها لا حل له إلا إذا فُعَِّل
الاقتصاد الأمريكى بصورة متسارعة مع خفض الفرص المتاحة
أمام القوى العالمية المنافسة، وهذا ما وجدت واشنطن
حله عبر شن حروب جديدة تختار فيها دول ضعيفة وثرية
تقوم بتدمير بناها التحتية ثم تعيد إعمارها من
ميزانيات هذه الدول فتشتغل المصانع والشركات
الأمريكية، ووقع اختيار الأمريكيين على الشرق الأوسط
بما فيه من دول ضعيفة وثرية، وبما فيه من ثروات نفطية
تشكل حقيقةً الجزء الأغلب من ثروة العالم، وبالتالى
تتحكم واشنطن بأسعار النفط وتؤمن لنفسها نفطاً رخيصاً
فى مقابل توريدها النفط الباهظ الثمن للدول المنافسة
لها، فتحصل بذلك على ميزة تفضيلية مقابل هذه الدول،
وتوسع من هامش المنافسة بينها وبين الدول المنافسة
لها.
خبراء اقتصاديون تنبؤوا بحرب تموز 2006
هذا الحل الهوليودي، كما يعتقد بعض الخبراء العرب
والروس، أوجدته إدارة بوش الراهنة بالتعاون مع مراكز
أبحاث أمريكية, بدأت خطواته الأولى عبر تنفيذ أحداث 11
أيلول ثم الحرب على أفغانستان والحرب على العراق...
وعبر دراسة قام بها بعض الخبراء الاقتصاديين حول
العالم فى العام 2005، وجد هؤلاء، بالاعتماد على
الأرقام الأخيرة للتضخم المالى الأمريكي, أن واشنطن لا
بد مقبلة على حرب جديدة فى العام 2006 "كانت حرب تموز
عبر الحليف الإسرائيلي"، فالأرقام المعبرة عن أوضاع
الميزانية الأمريكية فى العام 2005 تؤكد تأزم الوضع من
جديد مما يعنى أن واشنطن بحاجة إلى حرب جديدة, وهذا
معنى عبارة "أمريكا محكومة بالحرب".
ورغم أن هذه النظرية التى آمن بها شريحة واسعة من
الخبراء الاقتصاديين والسياسيين حول العالم وخاصة فى
روسيا والعالم العربي، تعرّضت للكثير من النقد، وصنّفت
فى عداد نظريات المؤامرة، لا سيما أن الدولار الأمريكى
لم ينهار، وأن خبراء اقتصاديين فى الاتجاه المناوئ
يعتقدون أن الاقتصاد الأمريكى أقوى من أن تودى به
مشكلة التضخم المالى لأنه يعتمد مبدأ التمويل بالعجز،
أى اعتبار العجز فى الميزانية الأمريكية مدخلاً لإصدار
المزيد من الدولارات دون رصيد والاعتماد على قوة
الدولار باعتباره عملة التبادل التجارى الأولى فى
العالم، وهو ما سيمنع انكشافه، خاصة أن معظم دول
العالم تحتفظ باحتياطات مالية كبيرة بالدولار، وأن
أياً من هذه الدول لا ترغب البتة فى أن ينهار الدولار
فتنهار معه قيم احتياطياتها.
لكن ما حدث فى السنوات الأخيرة أعاد الاعتبار بقوة
للمؤمنين بنظرية "هشاشة الاقتصاد الأمريكي"، فالدولار
أخذ فى الترنح، وانتقلت الكثير من الاحتياطيات المالية
عبر العالم إلى عمل أخرى، وبات الاقتصاد الأمريكى أكثر
انكشافاً مما سبق.
مستنقع العراق وانهيار مبدأ "تنشيط الاقتصاد عبر
الحرب"
المؤمنون بنظرية "هشاشة الاقتصاد الأمريكي" يعتقدون أن
مراكز الأبحاث الأمريكية كانت تدرك منذ مطلع القرن
الراهن أن الاقتصاد الأمريكى فى خطر، وأن نجاح الدول
المنافسة فى تعزيز نشاطاتها الاستثمارية فى بقاع
مختلفة من العالم النامي، مقابل إخفاق الأمريكيين فى
تحقيق ذلك بصور ملحوظة، يعنى أن الاقتصاد الأمريكى قد
يبقى أسير الطور السابق من الثورة الصناعية "طور
الاتصالات والتكنولوجيا"، وهو مؤشر على انهيار مرتقب
لهذا الاقتصاد، فكان الحل الذى ابتدعته بعض مراكز
الأبحاث الأمريكية والذى يعتمد مبدأ "تنشيط الاقتصاد
عبر الحرب"، وهو ما سبق أن شرحناه آنفاً، فقررت إدارة
بوش الابن غزو أفغانستان المطلّة على دول آسيا الوسطى
الغنية بالنفط لضمان السيطرة على تلك المنطقة، ومن ثم
غزو العراق الثرى بالنفط والمجاور لكل من الخليج
وإيران الثريين بالنفط أيضاً.
لكن هذا المبدأ "تنشيط الاقتصاد عبر الحرب"، انهار فى
العراق، وهو على أبواب الانهيار فى أفغانستان أيضاً،
فالمقاومات الشرسة والفوضى الأمنية التى ترافقت مع
الوجود الأمريكى قضت على حلم تحويل العراق إلى واحة
للاستثمار الأمريكى كمقدمة لتوسيع هذه الواحة إلى
الدول المجاورة، بل على العكس تفاقمت الخسائر
الأمريكية الاقتصادية والسياسية والعسكرية فى العراق،
ورغم أن واشنطن حظيت فعلاً بميزة تفضيلية فى النقط
العراقي، وساهمت فى رفع أسعار النفط بالنسبة لمنافسيها
الدوليين، إلا أن هذا الأسلوب انعكس سلباً عليها.
طفرات النمو الصينية والهندية، وبنسب أقل الأوروبية
واليابانية، لم تتوقف بل تصاعدت، فارتفاع أسعار النفط
انعكس ارتفاعاً فى أسعار السلع، وهكذا لم تخسر الدول
المنافسة لواشنطن شيئاً من جراء ارتفاع أسعار النفط،
وبقيت هذه الدول متفوقة على واشنطن فى مجال تشغيل
واستثمار رأس المال فى العالم النامي، مقابل انحسار
هامش الاستثمار المكافئ لرؤوس الأموال الأمريكية
الهائلة.
الهروب برأس المال من عالم الإنتاج إلى عالم الأسواق
المالية
وكانت النتيجة تزايد اتجاه أصحاب رؤوس الأموال
الأمريكيين إلى الاستثمار فى عالم الأسواق المالية،
كبديل عن الاستثمار المتعثّر وغير الكافى فى عالم
الإنتاج، ومع تفاقم رأس المال المستثمر فى الأسواق
المالية وتضاؤل ذلك المستثمر فى عالم الإنتاج، حصل
الانهيار المالى الأخير الذى كانت أزمة الرهن العقارى
مكمن الذروة فيه.
ما سبق يعنى ثلاثة أمور:
الأول: أن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة ماسة
لتفعيل قطاعات الإنتاج فى الاقتصاد الأمريكي، ولأن
الاستثمار فى الداخل الأمريكى وصل ذروته فى معظم
القطاعات، لذا فالأمريكيون بحاجة للاستثمار فى العالم
النامي، فهم بحاجة لأسواق كالشرق الأوسط وشمال
إفريقيا، وربما أيضاً روسيا والصين والهند، وأمريكا
اللاتينية.
الثاني: مبدأ "تنشيط الاقتصاد عبر الحرب" فشل فى
العراق، ورغم أن الاستمرار فيه يتوقف على
الاستراتيجيات التى ستعتمدها الإدارة الأمريكية
الجديدة بغية الخروج من المأزق الاقتصادى الراهن فى
الولايات المتحدة وعبر العالم، إلا أن بوادر قوية تؤكد
قناعات رموز كبيرة فى النخبة السياسية والاقتصادية
الأمريكية بعبث الاستمرار فى سياسة "تنشيط الاقتصاد
عبر الحرب"، قد يكون واحد من هذه البوادر ذلك البيان
الذى أصدره عدد من أبرز وزراء الخارجية الأمريكيين، من
الحزبين الديمقراطى والجمهوري، "هنرى كيسنجر وجيمس
بيكر ووارن كريستوفر ومادلين أولبرايت وكولن باول"،
والذى طالب فيه هؤلاء الوزراء مجتمعين الإدارة
الأمريكية الراهنة وتلك المرتقبة، بضرورة الإبقاء على
جسور الحوار مع روسيا والصين، وفتح جسور للتواصل مع
سوريا وإيران، مما يعنى الإقرار بفشل مبدأ "تنشيط
الاقتصاد عبر الحرب" وعبثية الاستمرار فيه، لذا فإن
معظم التوقعات ترجّح أن تتخلى أى إدارة أمريكية قادمة
عن هذا المبدأ.
أما الأمر الثالث: فهو أن الحل الأمثل المتاح أمام
الأمريكيين للخروج من مأزقهم الاقتصادى الراهن، هو
التخلى عن مساعى الهيمنة الاقتصادية والسياسية على
العالم، والاقتناع بأن أمريكا أضعف من أن تسيطر على
العالم قاطبة، وأن عليها انتهاج استراتيجية "الكل
يربح" عبر إيجاد صيغ للتعاون الاقتصادى والسياسى مع
باقى الدول الكبرى، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبى
واليابان، اللذين أصابتهما الكثير من الأضرار
الاقتصادية فى الأزمة الراهنة نتيجة الارتباط المالى
الكبير بالولايات المتحدة، وكذلك مع روسيا التى هى
بحاجة ماسة للاستثمارات ولديها رغبة كبيرة، حسبما تبدى
إدارتها، للترحيب بالمزيد منها، وكذلك مع الصين والهند
باعتبارهما أسواق استهلاكية كبيرة، وأخيراً التعاون مع
قيادات دول العالم النامى بأكمله لاستثمار الأيدى
العاملة والمواد الأولية الرخيصة فى تلك البلدان عبر
التسويات والصفقات وليس عبر الاحتلال أو السيطرة.
إن خلاصة ما سبق يجعلنا أمام حقيقة أن العالم بأكمله
بحاجة ماسة للاستقرار السياسى والأمنى ولتنشيط
الاستثمار، فالغرب والدول الصناعية الكبرى تملك رؤوس
أموال تريد تشغيلها وإلا فإنها ستندثر، والعالم النامى
بحاجة ماسة للاستثمار فيه، وإلا فإن أزماته الاقتصادية
والاجتماعية ستتفاقم، وأن سعى واشنطن للاستئثار بكامل
"الكعكة" حول العالم سيزيد من مأزقها ويعمّقه رويداً
رويداً انتهاء بالانهيار، وبالتالى فإن الصفقات
والتسويات بين الدول الكبرى فيما بينها، وبينها وبين
دول العالم النامي، هى السبيل الأمثل لتجاوز الأزمة
الاقتصادية العالمية الراهنة، والانتقال بالعالم أجمع
إلى أوضاع اقتصادية وسياسية أكثر أمناً واستقراراً
ونمواً.
ماذا عن الشرق الأوسط؟
كيف سينعكس كل ما سبق على معادلات الصراع فى الشرق
الأوسط؟
كما سبق وأشرنا أن ذلك يتوقف على الاستراتيجيات التى
ستنتهجها الإدارة الأمريكية الجديدة لحل الأزمة
الراهنة، لكن ما يرجحه الجميع، خاصة منهم العقلاء فى
أمريكا وحول العالم، هو أن أى إدارة أمريكية جديدة
ستسعى لتأسيس صيغة جديدة من الحوار والتفاوض فى
علاقاتها مع مختلف دول العالم، بغية الوصول إلى تسويات
دولية وِإقليمية، تضمن الاستقرار السياسى والأمنى فى
مختلف قضايا وبؤر النزاع الدولى والإقليمي، وتمهّد
الأجواء الملائمة لانطلاق حركة استثمار إنتاجى كبيرة
تنقذ العالم وعلى رأسه أمريكا من ركود كارثى قد يحل به
إن استمر الوضع الراهن على ما هو عليه.
وترجمة ما سبق بصورة مباشرة، هو أن واشنطن ستعتمد صيغ
للحوار والتفاوض بغية الوصول إلى حلول وسطى مع مختلف
الدول الكبرى، على رأسها الصين وروسيا، كما أنها ستؤسس
جسور للتواصل والتفاوض مع سوريا وإيران فى الشرق
الأوسط، بغية الوصول إلى تسويات إقليمية تضمن
الاستقرار والسلام وتهيئة الأجواء الملائمة لبعث
الاستثمار بقوة فى الشرق الأوسط.
العرب أون لاين